منذ أيام طالعتنا بعض وسائل الإعلام بتقرير صحفي أجري في احدى المناطق اللبنانية اثر مؤتمر صحفي عقدته احدى البلديات لمواجهة خطر تزايد عدد الخادمات الأجانب في المنطقة... وللتأكد من حيثيات القضية نزلنا الى المنطقة
لمواكبة الحدث... لا ننكر أنك عندما تزور المنطقة تشاهد على الطريق عددا لا بأس به من الخدمات اللواتي يقمن اما بشراء حاجيات المنزل من السوق أو بنشر الغسيل على الشرف أو بتكنيس مداخل البنايات... مما يؤكد تخوّف البلدية من هذه الظاهرة التي يبدو أنها بتزايد مستمر. وبعد سؤالنا لبعض سكان المنطقة عن سبب تزايد هذه الظاهرة لاحظنا أن السبب الرئيسي يعود الى عدم امكانية السيدة من تلبية حاجات منزلها بمفردها خاصة وأنها تعمل أقله نصف دوام وهذا ما أكدّته السيدة سعاد ف. (من سكان المنطقة) والتي قالت :"ايامنا غير ايام زمان" وعلى السيدة أن تساهم في تأمين مصروف المنزل)... وعلى الرغم من كل الجرائم التي ارتكبت داخل المنطقة الا ان المجتمع لا يكترث بما حدث.. فالأسبوع المنصرم وقع حادث بشع تعرضت له احدى الأطفال، حيث تعرضت هذه الطفلة لحادث اغتصاب من قبل صديق احدى الخادمات حيث كان الأهل متواجدين خارج المنزل والطفلة برفقة الخادمة. وهذا الحادث لم يكن الأول ولا الأخير في سلسلة الانتهاكات اللإنسانية التي تمارس ضد هذه
المنطقة التي نتحجب عن ذكر اسمها، فقد تعرضت فتاة أخرى في العاشرة من عمرها للتعذيب من قبل الخادمة التي كانت تهددها بقتلها اذا أخبرت والديها. ناهيك عن اعمال السرقة التي طالت المنطقة والتي كان وراءها خادمات وهذا ما صرّحت به السيدة منى ع التي قامت خادمتها بسرقة مجوهراتها التي يقدّر ثمنها بما لا يقل عن 100 الف دولار بعد ان وضعت لها دواء منوّم داخل كوب العصير، وجتى الآن لم تتمكن الدولة اللبنانية من القاء القبض على الجانية
وفي لقاءنا لبعض الخادمات اللواتي كن على الطريق تمكنا من أخذ رأيهم بالموضوع لمعرفة ما يدور داخل المنازل وما اذا كانوا يتعرضون هم أيضا لانتهاكات لا انسانية. وقالت ميتسو ري (خادمة من أصل نيبالي) "حتى لو خلدت إلى النوم في الثالثة والنصف صباحاً، يجب أن أستيقظ في الخامسة والنصف صباحاً... يجب أن أستمر في العمل حتى الواحدة صباحاً، وأحياناً حتى الثالثة صباحاً... ذات مرة قلت لربة عملي: "أنا بشرية مثلك وأحتاج لساعة راحة". فقالت لي: لقد جئت لتعملين، وأنت كحذائي، يجب أن تعملي بلا كلل
وتقول أخرى تدعى غوماري من أصل (سيرلنكي) التي تعمل خادمة لدى عائلة من منطقة غادير منذ أكثر من 5 أعوام "لم أتقاض راتبي لعام وخمسة أشهر، وحين كنت أطلب النقود كانوا يضربونني ويضربونني بالسكين، أو يحرقون جلدي. وحرقوا أحد ذراعيّ وأصابوه بسكين. وأصابوني بعلامات على ظهري. وجسدي كله يؤلمني. جسدي كله تعرض للضرب. كانوا يمسكون برأسي ويضربون به الحائط. كلما طالبت براتبي يقع شجار!؟
وثالثة قالت: عندما ذهبت إلي غرفة نومه كي أنظفها فوجئت بابن صاحب المنزل شاب18 سنة يغلق الباب وجردني من ملابسي بالقوة وعندما حاولت مقاومته هددني بالقتل واغتصبني بوحشية وبصورة مقززة للغاية! ، وعندما شكوت لوالده وجدته لا يبالي بما حدث وكأنه وظفني كعاهرة لإشباع رغبات ابنه
يتعرضان لانتهاكات لا انسانية، والحديث عن هذه الانتهاكات ربما يتطلب منا دراسات ومجلدات عديدة لرصد انتهاكات حقوق البشر في لبنان. فليس كل الخدم يعيشون بالنعيم كما بينت الوقائع التي نقلتها بلدية جونية في مؤتمرها الصحفي وكأن الخادمات لم يتغرّبن عن بلادهن فالأكثرية منهنّ يتعرّضن للانكسار الانساني والتعب والذل والأصعب من ذلك الضرب...فعندما كنا أمام احدى البنايات مستعدّين للدخول اليها للسؤال عن وجود خادمة وجهتنا امرأة من بلدة غادير مع خادمتها قمنا بسؤالها اذا نسطيع أن نسالها بعض الأسئلة حول خادمتها وعلاقتها بها ولكنها عندما عرفت سبب وجودنا رفضت رفضا قاطعا فاستغربنا الأمر وتابعنا تحرياتنا حتى وصلنا عند جارة هذه السيدة حيث قامت باخبارنا ان الخدمة تتعرض لعنف منزلي مكثّف من قبل العائلة فعند ذلك فهمنا رفضها القاطع
إن عصر الطفرة الاقتصادية وزيادة دخل الفرد عند معظم المقيمين في المنطقة عززا من الرغبة في الوجاهة الاجتماعية والظهور بمظهر الطبقة الغنية وأصبح اقتناء الخادمة أمرا ضروريا كالتلفزيون والفيديو والأشياء الأخرى، ومنح تواجد النقود ابناء غادير الفرصة لاشباع عقدتهم أمام مستوى الحياة الراقي، فتضخمت احتياجاتهم وعلاقاتهم فزادت حاجتهم إلى المزيد من الخدم، كما أن تطور الحياة ورغبة المرأة في التحرر من أعباء البيت والأطفال جعل من امتلاك الخادمة أمرا ضروريا
من هذا المنطلق اسئلة طرحناها في مقدّمة تقريرنا واخذنا نبحث مطوّلا عن الأجوبة، في البدء اعتقدنا ان حاجة السيدة لخادمة خاصة بعد خروجها للعمل هي التي تتصدر هذه الغاية ولكن عندما تعمقنا اكثر في المضمون انقلبت الفكرة ووجدنا ان المفاخرة هي الأساس ولمسنا هذه الظاهرة عن قرب
واذا تمشيت داخل البلدة تلاحظ المنزل الحديث المجهز والسيارة الفخمة، والأثاث الفاخر، والملابس المميزة والخدم الذين يقومون على خدمته، وأصبح من مقتضيات الحياة العصرية وجود السائق الخصوصي والخادمة والمربية والطاهية التي تهتم بالأولاد منذ ولادتهم وتهتم بنظافتهم وكأنها هي الأم البديلة لهم
ويتبين أن اسباب خروج أسباب أخرى مثل خروج المرأة للعمل مؤكدة في هذا المنحى أنها ظاهرة إنسانية مرتبطة بالتركيب الطبقي للكيان الاجتماعي من جهة، وبظروف سوق العمل وقانون العرض والطلب من جهة أخرى، وليست من صنع أفراد أو تلبية لمصالح فئات محدودة في مرحلة معينة هي التي تساهم في تزايد اقتناء الخدم داخل المنازل وعدم القدرة على الاستغناء عنهم
وجود الخدم في لبنان عامة مع ما يترتب عليه من آثار وسلبيات يعتبر من الظواهر المقلقة اجتماعياً التي تشكل عبئاً على الأسر والدولة والمجتمع، فمعظم البيوت اللبنانية بدأت في جلب الخدم الأجانب للعمل فيها، وبشكل كبير وملحوظ ومتزايد مع بداية سنوات العشر المنصرمة. وتأتي الأغلبية العظمي من العمالة المنزلية من الهند وسريلانكا وبنجلاديش والفلبين وأندونيسيا وباكستان وفي أغلب الأحيان من الريف وأكثر من نصفها من الأميات أو شبه الأميات، ويبلغ متوسط عمر الخادمة حوالي 30 سنة؛ لكن هناك خادمات تبلغ أعمارهن عشرين
سنة وأقل من ذلك، وحوالي ثلثي الخادمات إما متزوجات أو كن متزوجات، وعلي الصعيد الديني تأتي المسيحيات في المقدمة تليهن البوذيات والهندوسيات وتقل نسبة العربيات بين الخادمات عن 1 بالمئة
وفي تقرير أخير لمنظمة هيومن رايتس ووتش الأمريكية تحت عنوان "التصدير ثم الإساءة" أشارت إلى أن انتهاكات كثيرة تجري بحق الخادمات الأجنبيات في دول السعودية والكويت ولبنان والإمارات تحت علم وسمع حكومات تلك الدول برفضها ضمان يوم راحة أسبوعية لهن، وكذلك الحد من ساعات العمل وحرية التنقل والتعرض للإقامة القسرية والحرمان من الطعام والإساءة البدنية واللفظية والعمل الجبري والمضايقات الجنسية والاغتصاب علي أيدي أرباب عملهن، وأشار التقرير إلي وجود عدة قوانين
في تلك الدول تعرض الخادمات للإساءة، حيث تنكر عليهن حقوقهن وتقيد من قدرة الخادمات علي تغيير أرباب العمل حتي في حالات الإساءة
وتري الدكتورة أنياس دو فور خبيرة علم الانتربولوجيا في الجامعة اللبنانية الفرع الثاني، "أن هناك جيلا جديدا في المنطقة العربية يصح أن نطلق عليه تربية خادمات، لأنه نشأ وتربي بعيدا عن والديه برغم جودهما معه في المنزل؛ ولكن لأن الوالدين ووفقا لمفهوم التباهي الزائف بين أقرانها من أبناء نفس الطبقة الثرية يلجأن إلي استقدام خادمة أجنبية لتربية أطفالهما، ووصل الأمر لأن يستقدموا خادمة لكل طفل ومن جنسيات مختلفة"، فهذه فلبينية للابن الأكبر وأخري أثيوبية وثالثة سيريلانكية وهكذا، فيصبح الأبناء فاقدي الانتماء والهوية لمجتمعهم وهي كارثة تهدد روح الانتماء في نفوس هؤلاء الأطفال تربية الخادمات عندما يكبرون تجاه أسرتهم ومجتمعهم
Copyright © 2007-2012 all rights are reserved Web Design And Development by S.A.N.